الحتمية الفائقة
في ميكانيكا الكمّ، تُعَدّ «الحتميّة الفائقة» (Superdeterminism) ثُغرةً في مبرهنة بل. فبافتراض أنّ جميع الأنظمة التي تُقاس مترابطةٌ مع اختيارات نوع القياسات التي ستُجرى عليها، لا تعود افتراضات المبرهنة مُتحقِّقة. وبذلك يمكن لنظرية «المتغيّرات الخفيّة» التي تكون «حتميّةً فائقة» أن تُحقِّق مفهوم بِل لـ«السببيّة المحليّة» (local causality) ومع ذلك تُخالِف المتراجحات المستنبطة من مبرهنته.[1] وهذا يتيح بناء نظريةٍ محليّةٍ للمتغيّرات الخفيّة تُعيد إنتاج تنبؤات ميكانيكا الكمّ، وقد اقتُرحت[2][3][4] لذلك بضعةُ نماذجَ لعبية (toy models). وإلى جانب كونها حتميّةً، تفترض النماذج الحتميّة الفائقة أيضًا وجودَ ارتباطاتٍ بين الحالة المقاسة وبين إعداد القياس (measurement setting).
نظرة عامة
[عدل | عدل المصدر]تفترض مبرهنة بِل أنّ القياسات المُجرَاة عند كلّ كاشف يمكن اختيارها استقلالًا بعضُها عن بعض، واستقلالًا عن المتغيّرات الخفيّة التي تُحدِّد نتيجة القياس. وتُسمّى هذه العلاقة غالبًا «استقلال القياس» (measurement independence) أو «الاستقلال الإحصائي» (statistical independence). أمّا في نظريةٍ حتميّةٍ فائقة فلا تتحقّق هذه العلاقة؛ إذ تكون المتغيّرات الخفيّة، على نحوٍ لزوميّ، مترابطةً مع إعداد القياس. ولأنّ اختيار القياسات والمتغيّر الخفيّ مُسبقُ التعيين، أمكن لنتائج كاشفٍ ما أن تعتمد على نوع القياس الذي يُجرى عند الكاشف الآخر من غير حاجةٍ إلى انتقال معلوماتٍ أسرع من سرعة الضوء. ويُشار إلى افتراض الاستقلال الإحصائي أحيانًا باسم «اختيارٌ حرّ» (free choice) أو افتراض «الإرادة الحرّة» (free will)، لأنّ نقيضه يستلزم أنّ المُجرِّبين البشر ليسوا أحرارًا في اختيار القياس الذي سيُجرونه.
يمكن اختبار صيغٍ مُقيَّدة من الحتميّة الفائقة تفترض أنّ الارتباطات بين المتغيّرات الخفيّة واختيار القياس قد أُنشئت في الماضي القريب.[5] غير أنّ الحتميّة الفائقة - على العموم - غير قابلة للاختبار من حيث المبدأ، إذ يمكن افتراض أنّ الارتباطات قائمةٌ منذ الانفجار العظيم، مما يجعل الثغرة غير قابلةٍ للإغلاق.[6]

في الثمانينيات، ناقش جون ستيوارت بل الحتميّة الفائقة في مقابلةٍ مع الـبي بي سي:[7][8]
هناك طريقٌ للإفلات من استنتاج السرعات فوق الضوئية و«الفعل الشبحيّ عن بُعد». لكنّه ينطوي على حتميّةٍ مطلقة في الكون، وعلى غيابٍ تامّ للإرادة الحرّة. افترض أنّ العالم «حتميٌّ فائِق»، بحيث لا تسير الطبيعةُ غيرُ العاقلة وحدها وفق آليّةِ ساعةٍ خفيّة، بل كذلك سلوكُنا - بما في ذلك اعتقادُنا أنّنا أحرارٌ في اختيار إجراء تجربةٍ دون أخرى - مُحدَّدٌ تحديدًا مطلقًا؛ بما في ذلك «قرار» المُجرِّب أن يُجري مجموعةً من القياسات دون أخرى، عندئذٍ تزول المعضلة. لا حاجة إلى إشارةٍ أسرع من الضوء لتُخبر الجسيم A بما القياس الذي أُجري على الجسيم B، لأنّ الكون - بما فيه الجسيم A - «يعرف» سلفًا ما ذلك القياس، وما ستكون نتيجته.
ومع أنّه أقرّ بوجود هذه الثغرة، فقد جادل أيضًا في عدم معقوليتها. فحتى لو كانت القياسات المُجرَاة تُختار بواسطة مولّدات أرقامٍ عشوائيةٍ حتميّة، أمكن افتراض أنّ الاختيارات «حرّةٌ على نحوٍ فعّال لأجل الغرض المطروح»، لأنّ اختيار الآلة يتبدّل بفعل عددٍ كبيرٍ من التأثيرات الصغيرة جدًّا. ومن غير المرجّح أن يكون المتغيّر الخفيّ حسّاسًا لجميع التأثيرات الصغيرة نفسها التي تؤثّر في مولِّد الأرقام العشوائية.[9] وقد ناقش الحائز جائزة نوبل في الفيزياء جيرارد هوفت هذه الثغرة مع جون بيل في أوائل الثمانينيات:
أثرتُ السؤال: افترضْ أنّ قرارات أليس وبوب أيضًا لا ينبغي أن تُرى على أنّها صادرةٌ عن إرادةٍ حرّة، بل هي مُحدَّدة بكلّ ما في النظرية. قال جون: حسنًا، كما تعلم، عليَّ أن أستبعد ذلك. إن كان هذا ممكنًا، فلا ينطبق ما قلتُه. قلتُ: إنّ أليس وبوب يتّخذان قرارًا عن سبب. والسبب كامنٌ في ماضيهما، ولا بدّ أن يُدرج في الصورة.[10]
ووفقًا للفيزيائي أنتون تسايلنغر، إذا كانت الحتميّة الفائقة صحيحة، فإنّ بعض لوازمها سيضع قيمة العلم نفسه موضعَ تساؤلٍ بإبطال قابلية الدحض (falsifiability):
[نحن] نفترض دائمًا ضمنًا حرّيةَ المُجرِّب... هذا الافتراض الجوهريّ لازمٌ لممارسة العلم. لو لم يكن ذلك صحيحًا، فأقترح أنّه لن يكون ذا معنى أصلًا أن نسأل الطبيعةَ أسئلةً في تجربة، لأنّ الطبيعة حينئذٍ تستطيع أن تُحدِّد ما هي أسئلتنا، وأن تُوجّه أسئلتنا بحيث ننتهي إلى صورةٍ زائفة عن الطبيعة.[11]
وقد حاججت الفيزيائيّتان سابين هوسنفيلدر وتيم بالمر بأنّ الحتميّة الفائقة «مقاربةٌ واعدة لا لحلّ مشكلة القياس فحسب، بل أيضًا لفهم اللامحلّية الظاهرة في فيزياء الكمّ».[12]
أمّا هاورد إم. ويزمان وإريك كافالكانتي فيريان أنّ أيّ نظريةٍ حتميّةٍ فائقةٍ افتراضية «ستكون في المعقولية والجاذبية قريبةً من الإيمان بتحكّمٍ ذهنيٍّ كونيّ تمارسه كائناتٌ فضائية».[13]
أمثلة
[عدل | عدل المصدر]أوّل نموذجٍ حتميٍّ فائق للمتغيّرات الخفيّة قدّمه كارل هـ. برانس سنة 1988. واقترح مايكل هول نماذجَ أخرى سنة 2010، وفي سنة 2022 قدّم دونادي وهوسنفيلدر نماذجَ إضافية. وقد أشار جيرارد هوفت إلى نموذج «الأوتومات الخلوي» (cellular automaton) الخاصّ به لميكانيكا الكمّ بوصفه «حتميًّا فائقًا»[14]، غير أنّه ظلّ غير واضحٍ ما إذا كان يستوفي التعريف.
ويرى بعضُ المؤلّفين أنّ «العلّية الرجعية» (retrocausality) في ميكانيكا الكمّ مثالٌ من أمثلة الحتميّة الفائقة، بينما يعُدّ آخرون الحالتين متميّزتين.[15] ولا يوجد تعريفٌ متَّفقٌ عليه للتمييز بينهما.
- ↑ Larsson، Jan-Åke (24 أكتوبر 2014). "Loopholes in Bell inequality tests of local realism". Journal of Physics A: Mathematical and Theoretical. ج. 47 ع. 42: 424003. DOI:10.1088/1751-8113/47/42/424003. ISSN:1751-8113. مؤرشف من الأصل في 2025-11-17.
{{استشهاد بدورية محكمة}}: صيانة الاستشهاد: رقم المقال على أنه رقم صفحة (link) - ↑ Brans, Carl H. (1988-02). "Bell's theorem does not eliminate fully causal hidden variables". International Journal of Theoretical Physics (بالإنجليزية). 27 (2): 219–226. DOI:10.1007/BF00670750. ISSN:0020-7748.
{{استشهاد بدورية محكمة}}: تحقق من التاريخ في:|تاريخ=(help) - ↑ Hall, Michael J. W. (16 Dec 2010). "Local Deterministic Model of Singlet State Correlations Based on Relaxing Measurement Independence". Physical Review Letters (بالإنجليزية). 105 (25). DOI:10.1103/PhysRevLett.105.250404. ISSN:0031-9007.
- ↑ Donadi, Sandro; Hossenfelder, Sabine (19 Aug 2022). "Toy model for local and deterministic wave-function collapse". Physical Review A (بالإنجليزية). 106 (2). DOI:10.1103/PhysRevA.106.022212. ISSN:2469-9926.
- ↑ Scheidl, Thomas; Ursin, Rupert; Kofler, Johannes; Ramelow, Sven; Ma, Xiao-Song; Herbst, Thomas; Ratschbacher, Lothar; Fedrizzi, Alessandro; Langford, Nathan K. (16 Nov 2010). "Violation of local realism with freedom of choice". Proceedings of the National Academy of Sciences (بالإنجليزية). 107 (46): 19708–19713. DOI:10.1073/pnas.1002780107. ISSN:0027-8424. Archived from the original on 2025-06-07.
- ↑ Wolchover، Natalie (20 مارس 2018). "A trek through the probable universe". Nature. ج. 555 ع. 7697: 440–441. DOI:10.1038/d41586-018-03272-8. ISSN:0028-0836.
- ↑ "Williams, Gwyneth, (born 14 July 1953), Controller, BBC Radio 4 and BBC Radio 4 Extra (formerly BBC Radio 7), since 2010". Who's Who. Oxford University Press. 1 ديسمبر 2007.
- ↑ Beller، Mara (1989-06). "The Ghost in the Atom: A Discussion of the Mysteries of Quantum Physics. P. C. W. Davies , J. R. Brown". Isis. ج. 80 ع. 2: 339–340. DOI:10.1086/355059. ISSN:0021-1753.
{{استشهاد بدورية محكمة}}: تحقق من التاريخ في:|تاريخ=(مساعدة) - ↑ Free variables and local causality. Cambridge University Press. 3 يونيو 2004. ص. 100–104.
- ↑ ’t Hooft، G. (1977). Some Observations on Quantum Chromodynamics. Boston, MA: Springer US. ص. 699–726. ISBN:978-1-4757-1567-5.
- ↑ Frosi، Claudia؛ Chondrakis، George؛ Gagliardi، Luisa؛ Mariani، Myriam (18 مارس 2024). "Entrepreneurial domains, theories, and new ideas: evidence from a lab experiment". AEA Randomized Controlled Trials. اطلع عليه بتاريخ 2026-01-11.
- ↑ Hossenfelder، Sabine؛ Palmer، Tim (6 مايو 2020). "Rethinking Superdeterminism". Frontiers in Physics. ج. 8. DOI:10.3389/fphy.2020.00139. ISSN:2296-424X.
{{استشهاد بدورية محكمة}}: صيانة الاستشهاد: دوي مجاني غير معلم (link) - ↑ Wiseman، Howard M.؛ Cavalcanti، Eric G. (2017). Bertlmann، Reinhold؛ Zeilinger، Anton (المحررون). Causarum Investigatio and the Two Bell’s Theorems of John Bell. Cham: Springer International Publishing. ص. 119–142. DOI:10.1007/978-3-319-38987-5_6. isbn 978-3-319-38985-1.. ISBN:978-3-319-38985-1.
{{استشهاد بكتاب}}: تأكد من صحة قيمة|doi=(مساعدة) - ↑ 't Hooft، Gerard (2016). The Cellular Automaton Interpretation of Quantum Mechanics. Fundamental Theories of Physics. Cham: Springer International Publishing. ج. 185. DOI:10.1007/978-3-319-41285-6. isbn 978-3-319-41284-9. s2cid 7779840.. ISBN:978-3-319-41284-9.
{{استشهاد بكتاب}}: تأكد من صحة قيمة|doi=(مساعدة) - ↑ Wharton, K. B.; Argaman, N. (18 May 2020). "Colloquium : Bell's theorem and locally mediated reformulations of quantum mechanics". Reviews of Modern Physics (بالإنجليزية). 92 (2). DOI:10.1103/RevModPhys.92.021002. ISSN:0034-6861.